
أعزائي .. عزيزاتي ، هذه الحكاية الصغيرة قد حدثت لأحدهم فعلاً في مكان ما .. و زمان ما ، فلا يهم المكان ولا الزمان أمام روعة من نفتقدهم
بعد نحو شهرين من رحيل صديقي العزيز ، طرق بابي شقيقه الأصغر حاملا إلي حقيبة صغيرة ، قائلا ً .. تفضل يا بو عبدالوهاب .. هذي هدية من صاحبك
لم ينتظر أن يرى ردة فعلي .. فقد خانته دموعه كما خانتني عندما رأيته
فتحت الحقيبة لأجد بجامة .. و كتاب ، و ظرفين يحملان إسمي ولدي ّ الصغيرين و يحويان مبلغا كبيراً من الدنانير، و رسالة .. تقول
عزيزي أبا عبد الوهاب ، اشعر أن كم الكآبة التي يعشش في هذه الغرفة بامكانه أن يملا محيطات ، فمنذ أن دخلتها صار يراودني ذاك الشعور .. بأن الأمور قد شارفت على النهاية .. الأجهزة المحيطة بي .. وصفيرها المزعج و كلمات الأطباء و الممرضات الآسيويات .. نظرات من يعودني من خلف الحاجز الزجاجي .. الذبول الذي بت ألحظه يوما بعد يوم يترعرع و ينمو داخل جسدي الهزيل .. كما قلت لك .. هي النهاية يا عزيزي .. والحمد لله
بعد نحو شهرين من رحيل صديقي العزيز ، طرق بابي شقيقه الأصغر حاملا إلي حقيبة صغيرة ، قائلا ً .. تفضل يا بو عبدالوهاب .. هذي هدية من صاحبك
لم ينتظر أن يرى ردة فعلي .. فقد خانته دموعه كما خانتني عندما رأيته
فتحت الحقيبة لأجد بجامة .. و كتاب ، و ظرفين يحملان إسمي ولدي ّ الصغيرين و يحويان مبلغا كبيراً من الدنانير، و رسالة .. تقول
عزيزي أبا عبد الوهاب ، اشعر أن كم الكآبة التي يعشش في هذه الغرفة بامكانه أن يملا محيطات ، فمنذ أن دخلتها صار يراودني ذاك الشعور .. بأن الأمور قد شارفت على النهاية .. الأجهزة المحيطة بي .. وصفيرها المزعج و كلمات الأطباء و الممرضات الآسيويات .. نظرات من يعودني من خلف الحاجز الزجاجي .. الذبول الذي بت ألحظه يوما بعد يوم يترعرع و ينمو داخل جسدي الهزيل .. كما قلت لك .. هي النهاية يا عزيزي .. والحمد لله
منذ أن دخلت إلى هنا كنت أود أن أمسك بالقلم و الورق و أسكب ما أشعر به أحرفاً لتقرأه أنت دون غيرك ، فأنت كنت و مازلت و ستظل الأقرب إلى قلبي .. ولكنهم يقولون هنا بأن الأقلام و الأوراق مرتع جيد لتكاثر البكتيريا والجراثيم ،وهي ضيوف غير مرغوب بها في غرف العناية المركزة .. و لكنها الممرضة الهندية " جيسي " الوحيدة التي استجابت لتوسلاتي و هرّبت لي تلك الممنوعات .. و تلومني ليش أحب الهنود !!؟
أتعلم بأن نوبة الضحك لم تفارقني حتى نمت بسبب ذاك الرداء الأبيض و القبعة التي ألبسوك إياها عندما جئتني زائرا البارحة !!؟ حسبي الله على إبليسك .. بصراحة شكلك كان مسخرة على الآخر
قلت لي البارحة .." يا فلان أكتب .. فأنت بلا كتابة كطائر بلا أجنحة "
بصراحة .. أعجبتني العبارة .. طائر بلا أجنحة .. لذا ها أنا ذا أحاول أن أكتب ، ولكن لم يعد قلمي يطاوعني كما كان ، و لم تعد الأفكار تتراقص أمامي كعهدها دائما .. تلح علي برقصها الفاجر كي أجسدها كلمات على الورق ، و إن استطعت فتخرج الكلمات متثاقلة لا روح بها .. قد أكون فقدت موهبة الكتابة التي عهدتها بي ، أو قد تكون تلك المواد التي يحقن بها جسدي عشرات المرات باليوم هي السبب
اييييه يا بو عبد الوهاب .. كم أفتقد غرفتي / صومعتي التي أغرق بين جدرانها كي أكتب حتى أثمل ، وأحلق في سماآتها متنقلاً بين الحروف حتى أحط رحالي في قمة اعتدت الانزواء إليها كلما بحثت عما يطمئن روحي
كم أود أن يتوقف هذا الصوت الذي يملأ رأسي طنينا مزعجا .. أعلم إن أوقفته قد تتوقف معه حياتي .. آآآه .. كم أستحسن هذه الفكرة .. فهذا الصوت المزعج بدأ يملأ ذرات عقلي و قلبي ضجيجاً ... و بؤساً
ولكن سأحاول أن أكتب و أكتب و أكتب .. حتى يتوقف صوت ذاك الطنين
أتعلم !!؟ أكثر ما يشغل تفكيري هذه الأيام هو مصير أشيائي .. كتبي .. مكتبة الأغاني .. أثاث غرفتي .. ملابسي ، بالمناسبة .. هل تتذكر بيجامتي الزرقاء ذات الخطوط البنية !!؟ تلك التي لبستها عندما كنا في بيروت قبل عامين ، كنت " أموت " من الضحك عندما تصرخ في وجهي قائلا .. يخرب بيتك على هالذوق الخايس
هل تتذكر كتاب " حياتي وفكري " للدكتور مصطفى محمود الذي اشتريناه من إحدى مكتبات وسط البلد في القاهرة .. و الذي ظللت ثلاث سنوات ترجوني أن أعيرك إياه !!؟ هل تعلم بأني حتى لم أفتحه .. تستطيع أن تقول " نذالة " فأنت تعلم مدى سعادتي عندما أراك متوسلاً إلي
نسيت أن أسألك عن أولادك .. وهابي و عزيز ، هل لا يزالا يعتقدان بأن سيارتي تطير !!؟ أشفق على هذين الولدين ، أعتقد بأنهما يستحقان والدا ً محترما ً .. " بوسهم " نيابة عني
مهلاً .. أعتقد بأني سأتوقف عن الكتابة الآن ، فهاهم معشر الأطباء قد اقتربوا من غرفتي .. أسأل الرحمن أن يحفظك من كل شر ، فأنت الوحيد الذي أستمتع بمعاكسته ومن القلة التي أحمل لها بقلبي حباً لا يوصف .. بارك الله بك
إلى اللقاء .. ترى هل سنلتقي بعد لقاء البارحة !!؟
فمان الله










